سيد قطب

2270

في ظلال القرآن

ألوان من الحرير . من سندس ناعم خفيف ومن إستبرق مخمل كثيف . تزيد عليها أساور من ذهب للزينة والمتاع : « نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً » ! ومن شاء فليختر . ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ومن شاء فليجالس فقراء المؤمنين ، وجبابهم تفوح منها رائحة العرق أو فلينفر . فمن لم ترضه رائحة العرق من تلك الجباب ، التي تضم القلوب الزكية بذكر اللّه ، فليرتفق في سرادق النار ، وليهنأ بدردي الزيت أو القيح يغاث به من النار . . ثم تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلا للقيم الزائلة والقيم الباقية ، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة ، والنفس المعتزة باللّه . وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس : صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري ، تذهله الثروة ، وتبطره النعمة ، فينسى القوة الكبر التي تسيطر على أقدار الناس والحياة . ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى ، فلن تخذله القوة ولا الجاه . وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه ، الذاكر لربه ، يرى النعمة دليلا على المنعم ، موجبة لحمده وذكره ، لا لجحوده وكفره . وتبدأ القصة بمشهد الجنتين في ازدهار وفخامة : « وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ، وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ ، وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً ، وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً . وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ » . . فهما جنتان مثمرتان من الكروم ، محفوفتان بسياج من النخيل ، تتوسطهما الزروع ، ويتفجر بينهما نهر . . إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال : « كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً » . . ويختار التعبير كلمة « تَظْلِمْ » في معنى تنقص وتمنع ، لتقابل بين الجنتين وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم يشكر ، وازدهى وتكبر . وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما ، ويزدهيه النظر إليهما ، فيحس بالزهو ، وينتفش كالديك ، ويختال كالطاوس ، ويتعالى على صاحبه الفقير : « فَقالَ لِصاحِبِهِ - وَهُوَ يُحاوِرُهُ - أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً » . . ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين ، وملء نفسه البطر ، وملء جنبه الغرور ؛ وقد نسي اللّه ، ونسي أن يشكره على ما أعطاه ؛ وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدا ، أنكر قيام الساعة أصلا ، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار ! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد أن يكون جنابه ملحوظا في الآخرة ! « وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ . قالَ : ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً . وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً » ! إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء ، أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى ! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ ! فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر ، ولا جنة عنده ولا ثمر . . فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى . معتز بعقيدته وإيمانه . معتز باللّه الذي تعنو له الجباه ؛ فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكرا عليه بطره وكبره ، يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين ، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم . وينذره عاقبة البطر والكبر . ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار :